فخر الدين الرازي
99
تفسير الرازي
علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار ، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به ، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية . الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله * ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله * ( إنما البيع مثل الربا ) * فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها ، ولو لم يكن قوله * ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) * كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً فلم يكن قوله * ( فمن جاءه موعظة من ربه ) * لائقاً بهذا الموضع . المسألة الثانية : مذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله * ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) * من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، وهذا هو المختار عندي ، ويدل عليه وجوه الأول : أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم البتة ، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية ، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة . والوجه الثاني : وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم ، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلاً قوله * ( وأحل الله البيع ) * وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق ، فثبت أن قوله * ( وأحل الله البيع ) * لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة ، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط ، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال ، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جداً فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز . الوجه الثالث : ما روي عن عمر رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا ، ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من المجملات . الوجه الرابع : أن قوله * ( وأحل الله البيع ) * يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً ، وقوله * ( وحرم الربا ) * يقتضي أن يكون كل ربا حراماً ، لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة ، فأول الآية أباح جميع البيوع ، وآخرها حرم الجميع ، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية ، فكانت مجملة ، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم .